زعرة
أمضى أحمد القالمي أسبوعا كاملا في مغارة بأحد الجبال.. سمع أصواتا عديدة تتحدث لغات مختلفة.. ناظر أول متكلم فلم يفهم عنه شيئا.. وناظر الثاني والثالث فأعياه تلعثمهما وجهلهما .. قصد الرابع وطلب منه أن يقص عليه قصة هذا الوادي الذي نسي حجارته خارج المجرى.
قال .. كنت أهرب أمطار الشتاء نحو فصل الصيف والخريف، واستقبل الربيع على انفراد، وأغازل الأشجار والأصنام، واستمتع بمغازلة الأمطار والثلوج ، الى أن ظهرت أمرأة من بني مزلين تدعى زعرة.
كان جمالها آسرا وذات قوام نابع من هذه الأودية والسهول.. أخذت سزاد عينيها من سواد ريش الغراب وحمرة وجنتيها من الورد .. علمها والدها القريض وشيئا من مقاصد الشريعة وفنون البلاغة والبيان .. أفتتن بها رجال قبائل بني ظافر وبني عاشور والنبائل وأخرين.. راحوا يراقبونها من بعيد ، وهي تخرج الى جلب الماء ، أو حلب الأبقار والماعز والأغنام وركوب الخيل ، أو عندما يرتفع صوتها بأغنية جبلية من التراث القديم ، أو بتلك الأغاني التي كانت تقلد فيها أصوات الطيور والبلابل والحساسين وخرير المياه المنبجسة من قلب الصخور والجذوع والكيفان.
اشتد شوقها وحنينها عندما علمت أنها أصبحت حديث الخاص والعام من الرجال، لرجل وحيد وأوحد يفتنها وتفتنه، وينتقم لها من هؤلاء الرجال الأغبياء الذين يبيعون غناءهم بجمال إمرأة مومس.
رآها شاب من بني قحطان .. كان والده الفقيه قد أرسله للدراسة والتحصيل العلمي بجامع الزيونة.
وعندما عاد حدثته والدته عنها، فجن جنونه .. ركب جواده وامتشق بندقيته وراح يتصيدها بين المرابع والمشاتي، مقتربا من بئر غضاب ، ليراها وتراه.. اقترب منها وأمسك بذراعها وبالدلو.. انسحبت الى الوراء قليلا.. اتكأت على جذع شجرة الزيتون الزبوش ورمقته بنظرة حالمة، تاركة الفرصة لأنوثتها الشامخة أن تحدثه بلغة صامتة وموحية أحيانا :
– أظنك قد عدت من تونس لتستقر هنا.
– عدت لاتخذك بئرا أسقي منها مواعيدي وجوادي ، وأمنع كل من يحاول الاقتراب من هذه البئر.
رمقته بنظرة لخصت له معنى الحياة دون خضرة وماء وانصرفت.
بقلم: ابراهيهم عثمان
ه


أضف تعليق